الشيخ محمد رشيد رضا

266

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الأعمال تزاول بها ، وليفيد أن ما عذبوا عليه هو من عملهم حقيقة لا مجازا . فان نسبة الفعل إلى يد الفاعل تفيد من إلصاقه به ما لا تفيده نسبته إلى ضميره لأن الاسناد إلى اليد يمنع التجوز ، فمن المعهود أن يقال : فلان فعل كذا إذا أمر به أو مكن العامل منه وان لم يباشره بنفسه ومتى أسند إلى يده تعين أن يكون باشر فعله بنفسه ، وإن لم يكن من عمل الأيدي ويدخل في قوله « بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ » جميع ما كان منهم من ضروب الكفر والفسوق والعصيان ( وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) أي ، ذلك العذاب إنما يصيبكم بعملكم وبكونه تعالى عادلا في حكمه وفعله لا يجور ولا يظلم ، فيعاقب غير المستحق للعقاب ولا يجعل المجرمين كالمتقين والكافرين كالمؤمنين ، فلو كان سبحانه ظلاما لجاز أن لا يذوقوا ذلك العذاب على كفرهم به واستهزائهم بآياته وقتلهم لأنبيائه بأن يجعلوا مع المقربين في جنات النعيم وإذا لكان الدين عبثا ( 38 : 28 أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) 45 : 21 أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ؟ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) 68 : 35 أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ 36 ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) فالاستفهام الانكارى في هذه الآيات يدل على أن ترك تعذيب أولئك الكفرة الفجرة هو من المساواة بين المحسن والمسىء ووضع الشئ في غير موضعه وناهيك به ظلما كبيرا . فبهذا كله تعلم أن استشكال عطف نفى الظلم على جرائمهم في غير محله والمبالغة في صيغة « ظلام » لا فائدة ان ترك عقوبة مثلهم يعد ظلما كبيرا أو كثيرا وقال الأستاذ الامام : يعنى أن هذه العقوبة عدل منه سبحانه وأشار بصيغة المبالغةظلام ) إلى أن مثل هذه التسوبة لا تصدر إلا ممن كان كثير الظلم مبالغا فيه . وقال غيره : إنه لما كان القليل من الظلم يعد كثيرا بالنسبة إلى رحمته الواسعة عبر في نفيه بصيغة المبالغة الدالة عل الكثرة . الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ أي أولئك هم الذين قالوا في الاعتذار عن عدم الايمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم